الصفحة الرئيسية  ثقافة

ثقافة فيلم "اغتراب" لمهدي الهميلي: حين تبتلع الهاوية إنسانية الإنسان.. ويتحول الجسد إلى صدى للصدأ

نشر في  05 ماي 2026  (15:39)

​ ​مساء الجمعة الأول من ماي، الموافق لعيد العمال العالمي، واكبنا في قاعة "الكوليزي" بالعاصمة العرض ما قبل الأول لفيلم "اغتراب" نص وإخراج مهدي الهميلي، وبطولة كل من غانم الزرلي، مرام بن عزيزة، سليم بكار، محمد قلصي، يونس فارحي، ومراد غرسلي.

ولعل تزامن عرض الفيلم مع احتفال العمال بعيدهم العالمي لم يكن اعتباطيا، نظرا لكون الفيلم يحوم حول الصراع الأبدي بين البروليتاريا الكادحة والرأسمالية المتوحشة.

​منذ اللحظة الأولى التي تلامس فيها عيناك شاشة العرض، يفاجئك الهميلي بعبارة بالبنط العريض للفيلسوف الألماني "فريدريك نيتشه" من كتابه "ما وراء الخير والشر" : "إذا نظرت طويلا في الهاوية، فإن الهاوية ستنظر إليك".

والثابت أنّ الهميلي لم يضع هذه العبارة كزخرف فكري أو استعراض فني، إذ تكتشف مع نهاية العمل أنها كانت البوصلة التي وجهت الرؤية الإخراجية والرسالة المراد إيصالها.

​في "اغتراب"، يواجه البطل محمد الذي جسده باقتدار غانم الزرلي هذه الحتمية الفلسفية، حيث يصارع القبح والظلم في بيئة مسمومة، وعليه في المقابل أن يحذر من أن يصبح هو نفسه جزء من ذلك القبح.

الهاوية في الفيلم هي المحيط الذي يتربص بمحمد، يمتص براءته، ويفرض منطقه القاسي عليه حتى يعيد تشكيل هويته.

​تدور أحداث الفيلم في فضاء مصنع أكله الصدأ، يسعى أصحابه بالتعاون مع "مافيا" حكومية إلى إفلاسه وغلقه لتشريد العمال. يكمن الحل في تدبير حادث مفتعل يتمثل في انفجار يذهب ضحيته العامل عادل، في حين يصاب البطل المحوري محمد بشظية تستقر في جمجمته.

يحاول محمد الذي سكن الصدأ جسده، البحث عن حقيقة مقتل صديقه، ليكتشف أن الجميع متورط، وأن الواقع أفظع من الصدأ المهيمن على المصنع. وفي رحلة البحث عن الحقيقة، يتماهى البطل مع هذا القبح فيسكنه، وبتمعنه في الهاوية.. تجذبه إليها.

​الفيلم مرآة نفسية تعكس خطر التماهي مع القبح، فالبطل يجد نفسه في مواجهة بيئة موحشة لا تكتفي بمحاصرته، بل تبدأ بامتصاص جوهره الإنساني لتعيد إنتاجه في شكل وحشي. إنها فلسفة "المرآة" التي حذر منها نيتشه.. حين يطول هوسك بمطاردة القبح، تفقد القدرة على رؤية الجمال، وتصبح روحك انعكاسا لما كنت تحاول محاربته.

​"اغتراب".. يحيلنا العنوان مباشرة إلى "النظرية الماركسية"، فبالنسبة لكارل ماركس، يمثل الاغتراب حالة انفصال حادة للعامل عن نتاج عمله وعن ذاته، حيث يتحول الفعل الإنتاجي من وسيلة لتحقيق الذات إلى قوة قاهرة تسحق إنسانية الفرد.

وفي فيلم الهميلي، نجد الأبعاد الأربعة لهذا الاغتراب تتجسد في رحلة محمد الذي فقد اتصاله بطبيعته البشرية ليتحول إلى مجرد ماكينة.. كائن يتشظى بين إنسانية تتآكل ورغبة جامحة في الفهم. وكأن المصنع لم يكتف بابتلاع صديقه، بل قرر أن يسكن في رأسه وجسده عبر تلك الشظية، ليتوازى هذا الاغتراب الذاتي مع حالة من الاغتراب عن الآخرين يسودها الصمت والارتياب، وصولا إلى الاغتراب عن العملية والمنتج ذاته، إذ يغدو العامل مجرد أداة إنتاجية صماء في نظام رأسمالي لا يرحم. ​

ينطلق الفيلم بنسق بطيء جدا، وربما تعمّد المخرج ذلك الثقل في البداية مع غياب الحوار ليعكس رتابة الحياة المسحوقة للعمال. لكن بمجرد وقوع الانفجار المدبر، يتغير الإيقاع وتنفجر الأحداث، ومعها تنطلق رحلة محمد لاكتشاف الحقيقة.

هنا يتحول التشويق إلى أداة لتعرية المسكوت عنه في عالم بني أساسا على الزيف والصمت، ​قدم فيه غانم الزرلي أداء مثقلا، معتمدا على صمته ونظراته، وكأنه يحدثنا دون كلام، معبرا عن وجعه دون صراخ وعن ضياع هويته وتحوله إلى "برغي" في ماكينة الصدأ.

إخراجيا تميز الهميلي في صياغة "جماليات القبح" برؤية جعلت من "الصدأ" بطلا موازيا، فالإضاءة الخافتة، والألوان الرمادية، وأصوات الآلات الموحشة، والموسيقى التصويرية، كلها تذوب في ديكور ينهشه الصدأ الذي ينتقل تدريجيا ليتآكل في جسد الشخصية المحورية. هذا التوصيف لحالة التآكل هو التجسيد السينمائي لما تريده الرأسمالية.. بشر لا يفكرون ولا يناقشون، يكتفون بالصمت المتآكل.

​أثار الفيلم جدلا واسعا على مواقع التواصل الاجتماعي بسبب اعتماده على عبارات نابية ومشاهد جريئة اعتبرها البعض مبالغا فيها... في حقيقة الأمر، نجد أن الهميلي قد توغل أحيانا في "إسقاطات" قد تبدو للبعض غير مبررة دراميا، ولا تضيف للفيلم بقدر ما يمكن ان تدخله في متاهات هو في غنى عنها.

لكن وبعيدا عن الأحكام الأخلاقوية، يمكن تفسير هذا القبح اللفظي كمتنفس وحيد لعمال يعيشون خنوعا مفروضا. فالسينما ليست مطالبة بتجميل الواقع، وفلسفة الفيلم تقوم على أن الواقع المعيش في المصانع والدهاليز المظلمة هو بالفعل أفظع من أي تمثيل، والكلمة النابية قد تكون "الصرخة" الوحيدة الممكنة في وجه القبح الاقتصادي الذي يطحن العظام.

​في هذا العالم الذكوري الموحش، تبرز مرام بن عزيزة (ليلى) لتجسد الوجه الأنثوي الوحيد، وكأنها النقطة الأخيرة التي تربط هذا العالم بإنسانيته المفقودة. كما أكد الهميلي عبر الأداء الجماعي لسليم بكار ومحمد قلصي ويونس فارحي ومراد غرسلي أن هذه الشخصيات الشاذة سلوكيا هي جزء من منظومة تتقاسم الصمت والخوف.

​فيلم "اغتراب" صرخة سينمائية مزعجة ومقلقة للبعض، لكنها ضرورية فهو لا يكتفي برصد الواقع، بل يشرّحه بمشرط نيتشه وماركس، ليضعنا أمام الحقيقة المرة: إننا في طريقنا للتحول إلى "خردة" بشرية ما لم نتوقف عن النظر طويلا في هاوية الصمت والرضوخ.

يضعنا الفيلم في نهايته أمام سؤال وجودي مرعب هل يحافظ الإنسان على إنسانيته حين يفقد كل شيء؟؟؟

في المشهد الأخير، نرى محمد وقد تحول كليا إلى آلة أو صدأ، حيث غاب العقل وحل محله منطق الآلة أو الوحش الذي استبطن قسوة محيطه. إنها النهاية الحتمية للاغتراب، حين يتآكل الإنسان من الداخل ليصبح مجرد صدى للصدأ المحيط به، مؤكدا أن الهاوية حين تنظر إلينا، فإنها لا تترك لنا خيارا سوى أن نصبح جزء من ظلمتها العميقة.

سناء الماجري